الشيخ محمد رشيد رضا

12

الوحي المحمدي

يفيض جزالة في اتساق نسق ، متجانسا مسجعا ، لفعله أثرا عميقا في نفس كلّ سامع يفقه العربيّة . لذلك كان من الجهد الضائع غير المثمر أن يحاول الإنسان أداء تأثير هذا النثر البديع « الذي لم يسمع بمثله » بلغة أخرى ، وخاصة اللغة الفرنسية الضيقة ( التي لا سعة فيها للتعبير عن الشعور ) المرثة « 1 » « التي لا تتنازل عن حقوقها » والقاسية . وزد على ذلك أن اللغة الفرنسية ومثلها جميع اللغات العصرية ليست لغة دينية ، وما استعملت قط للتعبير عن الألوهية » أه . ثم تكلم عن عنايته هو مدة تسع سنوات متتالية بمحاولة نقل شئ من القرآن إلى اللغة الفرنسية على شرط المحافظة على بلاغة الأصل ، وتساءل هل أمكنه التغلب على هذه الصعوبة أم لا ؟ يعنى أنه يشك في ذلك . ( ثالثها ) : أسلوب القرآن المخالف لجميع أساليب الكلام إن أسلوب القرآن الغريب المخالف لجميع أساليب الكلام العربي وغيره ، وطريقته في مزج العقائد والمواعظ والحكم والأحكام والآداب بعضها ببعض في الآيات المتفرقة في الصور - وهو ما بينّا سببه وحكمته في هذا الكتاب - وقد كان حائلا دون جمع كبار علماء المسلمين من المفسرين وغيرهم لكلّ نوع من أنواع علومه ومقاصده في باب خاص به . كما فعلوا به في آيات الأحكام العملية من العبادات والمعاملات . دون القواعد والأصوب الاجتماعية والسياسية والمالية التي يرى القارئ نموذجها في هذا الكتاب . إذ لم يكونوا يشعرون بالحاجة إليها كما نشعر في هذا العصر . وقد عنى بعض الإفرنج « 2 » بوضع كتاب باللغة الفرنسية جمع فيه آيات القرآن بحسب معانيها ، ووضع كلا منها في باب أو أبواب خاصة بقدر فهمه ، ولكنه أخطأ في كثير من هذه المعاني وقصر في بعض مما علمه ، وما جهله منها عظيم ، ذلك بأن أخذ القواعد والأصول العامة « 3 » من هذه الآيات يتوقف على العلم بسيرة النبي صلّى اللّه عليه وسلم وسنته في بيان القرآن وتنفيذه لشرعه ، وآثار خلفائه وعلماء أصحابه من بعده ، كما يعلم من يراجع في ذلك الكتاب الآيات الدالة على ما بيناه في كتابنا هذا من مقاصد القرآن بالاختصار ، وما فصلناه منها في تفسير المنار .

--> ( 1 ) مؤنث المرث كتعب : الصبور على الخصام الذي لا يتنازل عن حقه . ( 2 ) هو المستشرق العلامة المسيو جول لا بوم . ( 3 ) أي لا يكفى في فهمها العلم بمتن اللغة العربية وقواعدها وبلاغتها وفقهها .